عدي بن زيد


المتوفى عام 590م – 35 ق. هـ
هو عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن ايوب بن الياس بن مضر بن نزار . شاعر جاهلي يتحدر من اسرة بني العبّاد . تقلب في مطلع شبابه ببلاط النعمان الثالث ونادمه ثم انتقل الى بلاط انو شروان الذي وجده أظرف الناس واحضرهم جواباً فرغب به وأثبته في بلاطه . فكان بذلك اول من كتب بالعربية في ديوان الاكاسرة . ولما توفي انو شروان وملك ابنه هرمز ارسل هذا الاخير عدي الى ملك الروم فأكرمه هذا الملك وعيّنه مسؤولاً عن البريد ، ربما ليريه سعة ارضه وعظم ملكه . ثم توجه بعد حين الى الحيرة فتلقاه الناس بالترحاب ، ولو اراد ان يملكوه لملكوه ، لكنه كان يؤثر الصيد واللهو على الملك . مكث في الحيرة سنين تزوج خلالها هنداً بنت النعمان بن المنذر ، وكانت من اجمل نساء اهلها وزمانها . عاش شاعرنا ربيب النعمة والحضارة ، تدرج في مدارجها ، وسكن في بلاطي الاكاسرة والروم مما رقق طبعه وصقل حسه وغذّى خياله بألوان جديدة وفسح له في مجال التأمل والاستقرار . أنفق معظم حياته متنقلاً بين الحيرة وفارس وبزنطية ، او غادياً الى الصيد والشراب مما جعل القيد والسجن ، لما جاءه ، على يد النعمان ، أشد وطأة واعمق وقعاً على نفسه . مات عدي بن زيد مقتولاً على ايدي حساده وأعدائه في محبسه مخلفاً شعراً تغلب عليه العدمية الناعية على الحياة، تتملكه نزعة تأملية بالحياة والموت ، مغلفة بغلالة روحية . ورغم هذا النزوع الفكري والتأملي ، فان شعره بقي في حدود المعاني . فلم يلتمس الشاعر الصورة الا في لُمع قليلة ، كما غشيت مظاهر العالم الخارجي بحدقة سريعة موليّة ، لا تضبطها ولا تأسرها ولا تتفاعل معها الا من خلال خاطرة عابرة . فقد تغلبت على اسلوبه الصفة التجريدية حيث يتحول بها الشعور الذي يعاني الى أفكار تفهم . ومع أن الانفعال لم يخمد في معظم قصائده ، فان الخيال المبدع لبث راكداً . فلم يوفق الشاعر الى احتضان العالمين المادي والنفسي وتوحيدهما . إلا انه ، بالرغم من ذلك كله ، لم يُعرّ تجاربه عن النغم ، بل ان النغم يحتضنها ويبث فيها الشجو والذهول ويثير النشوة ويضفي على الفكرة الجامدة ظلال الايحاء . لعلّ عدي وقف من دون سائر الشعراء الجاهليين موقفاً شعرياً من العالم . فقد تحرر ، بفضل حسه الحضري المادي، من قيود المكان والزمان وطلب نوعاً من اليقين المطلق ، فبدا شعره وكأنه نظم في فراغ من المادة والانجذاب الى ظاهر الحس . في كتاب الأغاني قال عنه أبو الفرج الأصفهاني:
((هو عدي بن زيد بن حماد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. عدي بن زيد لا يعد في فحول الشعراء وكان أيوب هذا فيما زعم ابن الأعرابي أول من سمي من العرب أيوب، شاعرٌ فصيحٌ من شعراء الجاهلية، وكان نصرانياً وكذلك كان أبوه وأمه وأهله، وليس ممن يعد في الفحول، وهو قروي. وكانوا قد أخذوا عليه أشياء عيب فيها. وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيلٍ في النجوم يعارضها ولا يجري معها مجراها. وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت، ومثلهما كان عندهم من الإسلاميين الكميت والطرماح . قال العجاج: كانا يسألاني عن الغريب فأخبرهما به، ثم أراه في شعرهما وقد وضعاه في غير مواضعه؛ فقيل له: ولم ذاك؟ قال: لأنهما قرويان يصفان ما لم يريا فيضعانه في غير موضعه، وأنا بدوي أصف ما رأيت فأضعه في مواضعه. وكذلك عندهم عدي وأمية. قال ابن الأعرابي فيما أخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب عنه وعن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: سبب نزول آل عدي بن زيد الحيرة أن جده أيوب بن محروف كان منزله اليمامة في بني امرىء القيس بن زيد مناة، فأصاب دماً في قومه فهرب فلحق بأوس بن قلامٍ أحد بني الحارث بن كعب بالحيرة. وكان بين أيوب بن محروف وبين أوس بن قلامٍ هذا نسبٌ من قبل النساء، فلما قدم عليه أيوب بن محروفٍ أكرمه وأنزله في داره، فمكث معه ما شاء الله أن يمكث، ثم إن أوساً قال له: يابن خال، أتريد المقام عندي وفي داري؟ فقال له أيوب: نعم، فقد علمت أني إن أتيت قومي وقد أصبت فيهم دماً لم أسلم، وما لي دارٌ إلا دارك آخر الدهر؛ قال أوس: إني قد كبرت وأنا خائف أن أموت فلا يعرف ولدي لك من الحق مثل ما أعرف، وأخشى أن يقع بينك وبينهم أمرٌ يقطعون فيه الرحم، فانظر أحب مكانٍ في الحيرة إليك فأعلمني به لأقطعكه أو أبتاعه لك؛ قال: وكان لأيوب صديقٌ في الجانب الشرقي من الحيرة، وكان منزل أوسٍ في الجانب الغربي، فقال له: قد أحببت أن يكون المنزل الذي تسكننيه عند منزل عصام بن عبدة أحد بني الحارث بن كعب؛ فابتاع له موضع داره بثلمثائة أوقيةٍ من ذهبٍ وأنفق عليها مائتي أوقية ذهباً. وأعطاه مائتين من الإبل برعائها وفرساً وقينةً؛ فمكث في منزل أوس حتى هلك، ثم تحول إلى داره التي في شرقي الحيرة فهلك بها. وقد كان أيوب اتصل قبل مهلكه بالملوك الذين كانوا بالحيرة وعرفوا حقه وحق ابنه زيد بن أيوب، وثبت أيوب فلم يكن منهم ملكٌ يملك إلا ولولد أيوب منه جوائز وحملانٌ)). ثم إن زيد بن أيوب نكح امرأة من آل قلام فولدت له حماداً، فخرج زيد بن أيوب يوماً من الأيام يريد الصيد في ناس من أهل الحيرة وهم منتدون بحفيرٍ – المكان الذي يذكره عدي بن زيد في شعره – فانفرد في الصيد وتباعد من أصحابه، فلقيه رجلٌ من بني امرىء القيس الذين كان لهم الثأر قبل أبيه، فقال له – وقد عرف فيه شبه أيوب -: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم، قال: من أيهم؟ قال: مرئي؛ قال له الأعرابي: وأين منزلك؟ قال: الحيرة؛ قال أمن بني أيوب أنت؟ قال: نعم، ومن أين تعرف بني ايوب؟ واستوحش من الأعرابي وذكر الثأر الذي هرب أبوه منه؛ فقال له: سمعت بهم، ولم يعلمه أنه قد عرفه؛ فقال له زيد بن أيوب: فمن أي العرب أنت؟ قال: أنا امرؤ من طيء؛ فأمنه زيدٌ وسكت عنه، ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب: فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ففلق قلبه، فلم يرم حافر دابته حتى مات؛ فلبث أصحاب زيد حتى إذا كان الليل طلبوه وقد افتقدوه وظنوا أنه قد أمعن في طلب الصيد، فباتوا يطلبونه حتى يئسوا منه، ثم غدوا في طلبه فاقتفوا أثره حتى وقفوا عليه ورأوا معه أثر راكب يسايره فاتبعوا الأثر حتى وجدوه قتيلاً، فعرفوا أن صاحب الراحلة قتله، فاتبعوه وأغدوا السير فأدركوه مساء الليلة الثانية، فصاحوا به وكان من أرمى الناس فامتنع منهم بالنبل حتى حال الليل بينهم وبينه وقد أصاب رجلاً منهم في مرجع كتفيه بسهم فلما أجنه الليل مات وأفلت الرامي، فرجعوا وقد قتل زيد بن أيوب ورجلاً آخر معه من بني الحارث بن كعب. تولى حماد بن زيد الكتابة للنعمان الأكبر فمكث حماد في أخواله حتى أيفع ولحق بالوصفاء؛ فخرج يوماً من الأيام يلعب مع غلمان بني لحيان، فلطم اللحياني عين حماد فشجه حمادٌ، فخرج أبو الليحاني فضرب حماداً، فأتى حمادٌ أمه يبكي، فقالت له: ما شأنك؟ فقال: ضربني فلان لأن ابنه لطمني فشججته، فجزعت من ذلك وحولته إلى دار زيد بن أيوب وعلمته الكتابة في دار أبيه، فكان حمادٌ أول من كتب من بني أيوب، فخرج من أكتب الناس وطلب حتى صار كاتب الملك النعمان الأكبر، فلبث كاتباً له حتى ولد له ابنٌ من امرأة تزوجها من طيء فسماه زيداً باسم أبيه. وكان لحماد صديقٌ من الدهاقين العظماء يقال له فروخ ماهان، وكان محسناً إلى حمادٍ، فلما حضرت حماداً الوفاة أوصى بابنه زيدٍ إلى الدهقان، وكان من المرازبة، فأخذه الدهقان إليه فكان عنده مع ولده، وكان زيدٌ قد حذق الكتابة والعربية قبل أن يأخذه الدهقان، فعلمه لما أخذه الفارسية فلقنها، وكان لبيباً فأشار الدهقان على كسرى أن يجعله على البريد في حوائجه، ولم يكن كسرى يفعل ذلك إلا بأولاد المرازبة، فمكث يتولى ذلك لكسرى زماناً. ثم إن النعمان النصري اللخمي هلك، فاختلف أهل الحيرة فيمن يملكونه إلى أن يعقد كسرى الأمل لرجل ينصبه، فأشار عليهم المرزبان يزيد بن حماد، فكان على الحيرة إلى أن ملك كسرى المنذر بن ماء السماء ونكح زيد بن حماد نعمة بنت ثعلبة العدوية فولدت له عدياً، وملك المنذر وكان لا يعصيه في شيء، وولد للمرزبان ابنٌ فسماه “شاهان مرد”. فلما تحرك عدي بن زيد وأيفع طرحه أبوه في الكتاب، حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه “شاهان مرد” إلى كتاب الفارسية، فكان يختلف مع ابنه ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر، وتعلم الرمي بالنشاب فخرج من الأساورة الرماة، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها.
اتصاله بكسرى وتوليه الكتابة له
ثم إن المرزبان وفد على كسرى ومعه ابنه “شاهان مرد” فبينما هما واقفان بين يديه إذ سقط طائران على السور فتطاعما كما يتطاعم الذكر والأنثى فجعل كل واحدٍ منقاره في منقار الآخر، فغضب كسرى من ذلك ولحقته غيرةٌ، فقال للمرزبان وابنه: ليرم كل واحدٍ منكما واحداً من هذين الطائرين، فإن قتلتماهما أدخلتكما بيت المال وملأت أفواهكما بالجوهر، ومن أخطأ منكما عاقبته؛ فاعتمد كل واحد منهما طائراً منهما ورميا فقتلاهما جميعاً، فبعثهما إلى بيت المال فملئت أفواههما جوهراً، وأثبت “شاهان مرد” وسائر أولاد المرزبان في صحابته؛ فقال فروخ ماهان عند ذلك للملك: إن عندي غلاماً من العرب مات أبوه وخلفه في حجري فربيته، فهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية، والملك محتاجٌ إلى مثله، فإن رأى أن يثبته في ولدي فعل؛ فقال: ادعه، فأرسل إلى عدي بن زيد، وكان جميل الوجه فائق الحسن وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه، فلما كلمه وجده أظرف الناس وأحضرهم جواباً، فرغب فيه وأثبته مع ولد المرزبان. كان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، فرغب أهل الحيرة إلى عدي ورهبوه، فلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى يؤذن له عليه في الخاصة وهو معجبٌ به قريبٌ منه، وأبوه زيد بن حماد يومئذ حي إلا أن ذكر عدي قد ارتفع وخمل ذكر أبيه، فكان عدي إذا دخل على المنذر قام جميع من عنده حتى يقعد عدي، فعلا له بذلك صيتٌ عظيمٌ، فكان إذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أبيه واهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل. ثم إن كسرى أرسل عدي بن زيد إلى ملك الروم بهدية من طرف ما عنده، فلما أتاه عدي بها أكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه سعة أرضه وعظيم ملكه – وكذلك كانوا يصنعون – فمن ثم وقع عدي بدمشق، وقال فيها الشعر. فكان مما قاله بالشأم وهي أول شعر قاله فيما ذكر:

رب دارٍ بأسفل الجزع مـن دو مة أشهى إلي مـن جـيرون
وندامى لا يفرحون بـمـا نـا لوا ولا يرهبون صرف المنون
قد سقيت الشمول في دار بشرٍ قهوةً مرةً بـمـاء سـخـين

ثم كان أول ما قاله بعدها قوله:
لمن الدار تعفـت بـخـيم أصبحت غيرها طول القدم
ما تبين العين من آياتـهـا غير نؤيٍ مثل خط بالقلـم
صالحاً قد لفها فاستوسقـت لف بازي حماماً في سلـم

تولية أهل الحيرة زيداً أبا عدي على الحيرة وإبقاء اسم الملك للمنذر قال:
وفسد أمر الحيرة وعدي بدمشق حتى أصلح أبوه بينهم، لأن أهل الحيرة حين كان عليهم المنذر أرادوا قتله لأنه كان لا يعدل فيهم، وكان يأخذ من أموالهم ما يعجبه، فلما تيقن أن أهل الحيرة قد أجمعوا على قتله بعث إلى زيد بن حماد بن زيد بن أيوب، وكان قبله على الحيرة، فقال له: يا زيد أنت خليفة أبي، وقد بلغني ما أجمع عليه أهل الحيرة فلا حاجة لي في ملككم، دونكموه ملكوه من شئتم؛ فقال له زيد: إن الأمر ليس إلي، ولكني أسبر لك هذا الأمر ولا آلوك نصحاً، فلما أصبح غدا إليه الناس فحيوه تحية الملك، وقالوا له: ألا تبعث إلى عبدك الظالم – يعنون المنذر- فتريح منه رعيتك؟ فقال لهم: أولا خيرٌ من ذلك! قالوا: أشر علينا؛ قال: تدعونه على حاله فإنه من أهل بيت ملكٍ، وأنا آتيه فأخبره أن أهل الحيرة قد اختاروا رجلاً يكون أمر الحيرة إليه إلا أن يكون غزوٌ أو قتال، فلك اسم الملك وليس إليك سوى ذلك من الأمور؛ قالوا: رأيك أفضل. فأتى المنذر فأخبره بما قالوا؛ فقبل ذلك وفرح، وقال: إن لك يا زيد علي نعمةً لا أكفرها ما عرفت حق سبد – وسبد صنم كان لأهل الحيرة – فولى أهل الحيرة زيداً على كل شيء سوى اسم الملك فإنهم أقروه للمنذر. وفي ذلك يقول عدي:

نحن كنا قد علمتم قبلكـم عمد البيت وأوتاد الإصار

قدوم عدي للحيرة وخروج المنذر للقائه
قال: ثم هلك زيدٌ وابنه عدي يومئذ بالشأم. وكانت لزيدٍ ألف ناقةٍ للحمالات كان أهل الحيرة أعطوه إياها حين ولوه ما ولوه، فلما هلك أرادوا أخذها؛ فبلغ ذلك المنذر، فقال: لا، واللات والعزى لا يؤخذ مما كان في يد زيدٍ ثفروقٌ وأنا أسمع الصوت. ففي ذلك يقول عدي بن زيد لابنه النعمان بن المنذر:

وأبوك المرء لـم يشـنـأ بـه يوم سيم الخسف منا ذو الخسار

قال: ثم إن عدياً قدم المدائن على كسرى بهدية قيصر، فصادف أباه والمرزبان الذي رباه قد هلكا جميعاً، فاستأذن على كسرى في الإلمام بالحيرة فإذن له فتوجه إليها، وبلغ المنذر خبره فخرج فتلقاه في الناس ورجع معه. وعدي أنبل أهل الحيرة في أنفسهم، ولو أراد أن يملكوه لملكوه، ولكنه كان يؤثر الصيد واللهو واللعب على الملك، فمكث سنين يبدو في فصلي السنة فيقيم في جفير ويشتو بالحيرة، ويأتي المدائن في خلال ذلك فيخدم كسرى، فمكث كذلك سنين، وكان لا يؤثر على بلاد بني يربوع مبدى من مبادي العرب ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم، وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر، وكانت إبله في بلاد بني ضبة وبلاد بني سعد، وكذلك كان أبوه يفعل: لا يجاوز هذين الحيين بإبله. ولم يزل على حاله تلك حتى تزوج هند بنت النعمان بن المنذر، وهي يومئذ جاريةٌ حين بلغت أو كادت. وخبره يذكر في تزويجها بعد هذا.
قال ابن حبيب وذكر هشام بن الكلبي عن إسحاق بن الجصاص وحماد الراوية وأبي محمد بن السائب قال: كان لعدي بن زيد أخوان: أحدهما اسمه عمار ولقبه أبي، والآخر اسمه عمرو ولقبه سمي، وكان لهم أخ من أمهم يقال له عدي بن حنظلة من طيء، وكان أبي يكون عند كسرى، وكانوا أهل بيتٍ نصارى يكونون مع الأكاسرة، ولهم معهم أكلٌ وناحيةٌ، يقطعونهم القطائع ويجزلون صلاتهم. وكان المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان بن المنذر في حجر عدي بن زيد، فهم الذين أرضعوه وربوه، وكان للمنذر ابنٌ آخر يقال له “الأسود” أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب، فأرضعه ورباه قومٌ من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينتسبون إلى لخم وكانوا أشرافاً. وكان للمنذر سوى هذين من الولد عشرةٌ، وكان ولده يقال لهم “الأشاهب” من جمالهم، فذلك قول أعشى بن قيس بن ثعلبة:

وبنو المنذر الأشاهب في الحي رة يمشون غدوةً كالسـيوف

وكان النعمان من بينهم أحمر أبرش قصيراً، وأمه سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك، فلما احتضر المنذر وخلف أولاده العشرة، وقيل: بل كانوا ثلاثة عشر، أوصى بهم إلى إياس بن قبيصة الطائي، وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه، فمكث عليها أشهراً وكسرى في طلب رجل يملكه عليهم، وهو كسرى بن هرمز، فلم يجد أحداً يرضاه فضجر فقال: لأبعثن إلى الحيرة اثني عشر ألفاً من الأساورة، ولأملكن عليهم رجلاً من الفرس، ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب في دورهم ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم، وكان عدي بن زيد واقفاً بين يديه، فأقبل عليه وقال: ويحك يا عدي: من بقي من آل المنذر؟ وهل فيهم أحدٌ فيه خيرٌ؟ فقال: نعم أيها الملك السعيد، إن في ولد المنذر لبقية وفيهم كلهم خيرٌ، فقال: ابعث إليهم فأحضرهم، فبعث عدي إليهم فأحضرهم وأنزلهم جميعاً عنده، ويقال: بل شخص عدي بن زيد إلى الحيرة حتى خاطبهم بما أراد وأوصاهم، ثم قدم بهم على كسرى. قال: فلما نزلوا على عدي بن زيد أرسل إلى النعمان: لست أملك غيرك فلا يوحشنك ما أفضل به إخوتك عليك من الكرامة فإني إنما أغترهم بذلك، ثم كان يفضل إخوته جميعاً عليه في النزل والإكرام والملازمة ويريهم تنقصاً للنعمان وأنه غير طامعٍ في تمام أمر على يده، وجعل يخلو بهم رجلاً رجلاً فيقول: إذا أدخلتكم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم وأجملها، وإذا دعا لكم بالطعام لتأكلوا فتباطئوا في الأكل وصغروا اللقم ونزروا ما تأكلون، فإذا قال لكم: أتكفونني العرب؟ فقولوا: نعم، فإذا قال لكم: فإن شذ أحدكم عن الطاعة وأفسد، أتكفوننيه؟ فقولوا: لا، إن بعضنا لا يقدر على بعض، ليهابكم ولا يطمع في تفرقكم ويعلم أن للعرب منعةً وبأساً فقبلوا منه، وخلا بالنعمان فقال له: البس ثياب السفر وادخل متقلداً بسيفك، وإذا جلست للأكل فعظم اللقم وأسرع المضغ والبلع وزد في الأكل وتجوع قبل ذلك، فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل من العرب خاصةًَ، ويرى أنه لا خير في العربي إذا لم يكن أكولاً شرهاً، ولاسيما إذا رأى غير طعامه وما لا عهد له بمثله، وإذا سألك هل تكفيني العرب؟ فقل: نعم، فإذا قال لك: فمن لي بإخوتك؟ فقل له: إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم لأعجز. قال: وخلا ابن مرينا بالأسود فسأله عما أوصاه به عدي فأخبره، فقال: غشك والصليب والمعمودية وما نصحك، لئن أطعتني لتخالفن كل ما أمرك به ولتملكن، ولئن عصيتني ليملكن النعمان ولا يغرنك ما أراكه من الإكرام والتفضيل على النعمان، فإن ذلك دهاء فيه ومكر، وإن هذه المعدية لا تخلو من مكرٍ وحيلةٍ، فقال له: إن عدياً لم يألني نصحاً وهو أعلم بكسرى منك، وإن خالفته أوحشته وأفسد علي وهو جاء بنا ووصفنا وإلى قوله يرجع كسرى، فلما أيس ابن مرينا من قبوله منه قال: ستعلم. ودعا بهم كسرى، فلما دخلوا عليه أعجبه جمالهم وكمالهم ورأى رجالاً قلما رأى مثلهم، فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم به عدي، فجعل ينظر إلى النعمان من بينهم ويتأمل أكله، فقال لعدي بالفارسية: إن لم يكن في أحد منهم خيرٌ ففي هذا، فلما غسلوا أيديهم جعل يدعو بهم رجلاً رجلاً فيقول له: أتكفيني العرب؟ فيقول: نعم أكفيكها كلها إلا إخوتي، حتى انتهى النعمان آخرهم فقال له: أتكفيني العرب؟ قال: نعم قال: كلها؟ قال: نعم، قال: فكيف لي بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز، فملكه وخلع عليه وألبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب. فلما خرج وقد ملك قال ابن مرينا للأسود: دونك عقبى خلافك لي!. ثم إن عدياً صنع طعاماً في بيعةٍ وأرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت فإن لي حاجةً فأتى في ناس فتغدوا في البيعة، فقال عدي بن زيد لابن مرينا: يا عدي، إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك، وإني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب ألا تحقد علي شيئاً لو قدرت عليه ركبته، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيت من نفسي، فإن نصيبي في هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، وقام إلى البيعة فحلف ألا يهجوه أبداً ولا يبغيه غائلة؛ ولا يزوي عنه خيراً، أبداً فلما فرغ عدي بن زيد، قام عدي بن مرينا فحلف مثل عينه ألا يزال يهجوه أبداً ويبغيه الغوائل ما بقي. وخرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد:

ألا أبلغ عـديا عـن عـدي فلا تجزع وإن رثت قواكا
هياكلنا تبر لـغـير فـقـرٍ لتحمد أو يتم به غـنـاكـا
فإن تظفر فلم تظفر حمـيداً وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعي لـمـا رأت عيناك ما صنعت يداكا

قال: ثم قال عدي بن مرينا للأسود: أما إذا لم تظفر فلا تعجزن أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل، فقد كنت أخبرك أن معداً لا ينام كيدها ومكرها وأمرتك أن تعصيه فخالفتني، قال: فما تريد؟ قال: أريد ألا تأتيك
فائدةٌ من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل. وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة، فلم يكن في الدهر يومٌ يأتي إلا على باب النعمان هديةٌ من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في ملكه شيئاً إلا بأمر
ابن مرينا، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه وشيع ذلك بأن يقول: إن عدي بن زيد فيه مكر وخديعة، والمعدي لا يصلح إلا هكذا. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عدياً عند الملك بخير فقولوا: إنه لكذلك، ولكنه لا يسلم عليه أحدٌ وإنه ليقول: إن الملك – يعني النعمان – عامله، وإنه هو ولاه ما ولاه، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه، فكتبوا كتاباً على لسانه إلى قهرمانٍ له ثم دسوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه وأتوا به النعمان فقرأه فاشتد غضبه، فأرسل إلى عدي بن زيد: عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إلى رؤيتك، وعدي يومئذ عند كسرى، فاستأذن كسرى فأذن له. فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه في محبسٍ لا يدخل عليه فيه أحدٌ، فجعل عدي يقول الشعر وهو في الحبس، فكان أول ما قاله وهو محبوس من الشعر:

ليت شعري عن الهمام ويأتي ك بخبر الأنباء عطف السؤال
أين عنا إخطارنا المال والأنف س إذ ناهدوا ليوم المـحـال
ونضالي في جنبك الناس يرمو ن وأرمي وكلنا غـير آلـي
فأصيب الذي تريد بلا غـشٍ وأربي عـلـيهـم وأوالـي
ليت أني أخذت حتفي بكفـي ولم ألـق مـيتة الأقـتـال
محلوا محلهم لصرعتنا العـا م فقد أوقعوا الرحا بالثفـال

وهي قصيدة طويلة. قالوا وقال أيضاً وهو محبوس:

أرقت لمكفهـرٍ بـات فـيه بوارق يرتقين رؤوس بشيب
تلوح الـمـشـرفـية ذراه ويجلو صفح دخدارٍ قشـيب

ويروي: تخال المشرفية. والدخدار: فارسية معربة وهو الثوب المصون. يقول فيها:

سعى الأعداء لا يألون شـراً علي ورب مكة والصلـيب
أرادوا كي تمهل عن عـدي ليسجن أو يدهده في القليب
وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يومٍ عصيب
أعالنهم وأبطـن كـل سـر كما بين اللحاء إلى العسيب
ففزت عليهم لما التـقـينـا بتاجك فوزة القدح الأريب
وما دهري بأن كدرت فضلاً ولكن ما لقيت من العجيب
ألا من مبلغ النعمـان عـنـي وقد تهدى النصيحة بالمغـيب
أحظي كان سلـسـلةً وقـيداً وغلا والبيان لـدى الـطـيب
أتاك بأنني قد طال حـبـسـي ولم تسأم بمسجـونٍ حـريب
وبيتي مـقـفـرٌ إلا نـسـاءً أرامل قد هلكن من النحـيب
يبادرن الدموع عـلـى عـدي كشن خانه خـرز الـربـيب
يحاذرن الوشاة عـلـى عـدي وما اقترفوا عليه من الذنـوب
فإن أخطأت أو أوهمت أمـراً فقد يهم المصافي بالحـبـيب
وإن أظلم فقد عاقبتـمـونـي وإن أظلم فذلك من نصـيبـي
وإن أهلك تجد فقدي وتـخـذل إذا التقت العوالي في الحروب
فهل لك أن تدارك ما لـدينـا ولا تغلب على الرأي المصيب
فإني قد وكلت الـيوم أمـري إلى رب قريبٍ مسـتـجـيب

قالوا: وقال فيه أيضاً:

طال ذا الليل علينا واعتكـر وكأني ناذر الصبح سـمـر
من نجي الهم عنـدي ثـاوياً فوق ما أعلن منـه وأسـر
وكأن اللـيل فـيه مـثـلـه ولقد ما ظن بالليل القصـر
لم أغمض طوله حتى انقضى أتمنى لو أرى الصبح جشر
غير ما عشقٍ ولكن طـارقٌ خلس النوم وأجداني السهـر

وفيها يقول:

أبلغ النعمان عني مـالـكـاً قول من قد خاف ظناً فاعتذر
أنني والله، فاقبل حـلـفـي لأبيلٌ كلمـا صـلـى جـأر
مرعدٌ أحشاؤه فـي هـيكـلٍ حسن لمته وافي الـشـعـر
ما حملت الغل من أعدائكـم ولدى الله من العلم المـسـر
لا تكونن كآسي عـظـمـه بأساً حتى إذا العظم جـبـر
عاد بعد الجبر يبغي وهـنـه ينحنون المشي منه فانكسـر
واذكر النعمى التي لم أنسهـا لك في السعي إذا العبد كفر

وقال له أيضاً – وهي قصيدة طويلة -:

أبلغ النعمان عـنـي مـألـكـاً أنه قد طال حبسي وانتظـاري
و بغير الماء حلـقـي شـرقٌ كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ليت شعري عن دخيلٍ يفـتـري حيثما أدرك ليلـي ونـهـاري
قاعداً يكرب نفـسـي بـثـهـا وحراماً كان سجني واحتصاري
أجل نعمـى ربـهـا أولـكـم ودنوي كان منكم واصطهـاري

في قصائد كثيرةٍ كان يقولها فيه، ويكتب بها إليه فلا تغني عنده شيئاً. (هذه رواية الكلبي). وأما المفضل الضبي فإنه ذكر أن عدي بن زيد لما قدم على النعمان صادفه لا مال ولا أثاث ولا ما يصلح لملكٍ، وكان آدم إخوته منظراً وكلهم أكثر مالاً منه، فقال له عدي: كيف أصنع بك ولا مال عندك! فقال له النعمان: ما أعرف لك حيلةً إلا ما تعرفه أنت، فقال له: قم بنا نمض إلى ابن قردس – رجلٍ من أهل الحيرة من دومة – فأتياه ليقترضا منه مالاً، فأبى أن يقرضهما وقال: ما عندي شيء فأتيا جابر بن شمعون وهو الأسقف أحد بني الأوس بن قلام بن بطين بن جمهير بن لحيان من بني الحارث بن كعب فاستقرضا منه مالاً، فأنزلهما عنده ثلاثة أيام يذبح لهم ويسقيهم الخمر، فلما كان في اليوم الرابع قال لهما: ما تريدان؟ فقال له عدي: تقرضنا أربعين ألف درهم يستعين بها النعمان على أمره عند كسرى، فقال: لكما عندي ثمانون ألفاً، ثم أعطاهما إياها، فقال النعمان لجابر: لا جرم لا جرى لي درهمٌ إلا على يديك إن أنا ملكت. قال: وجابر هو صاحب القصر الأبيض بالحيرة، ثم ذكر من قصة النعمان وإخوته وعدي وابن مرينا مثل ما ذكره ابن الكلبي. وقال المفضل خاصةً: إن سبب حبس النعمان عدي بن زيد، أن عدياً صنع ذات يوم طعاماً للنعمان، وسأله أن يركب إليه ويتغدى عنده هو وأصحابه، فركب النعمان إليه فاعترضه عدي بن مرينا فاحتبسه حتى تغدى عنده هو وأصحابه وشربوا حتى ثملوا، ثم ركب إلى عدي ولا فضل فيه، فأحفظه ذلك، ورأى في وجه عدي الكراهة فقام فركب ورجع إلى منزله، فقال عدي بن زيد في ذلك من فعل النعمان:

أحسبت مجلسنـا وحـس ن حديثنا يودي بمـالـك
فالمال والأهلون مـص رعةٌ لأمرك أو نكالـك
ما تأمـرن فـينـا فـأم رك في يمينك أو شمالك

قال: وأرسل النعمان ذات يوم إلى عدي بن زيد فأبى أن يأتيه ثم أعاد رسوله فأبى أن يأتيه، وقد كان النعمان شرب فغضب وأمر به فسحب من منزله حتى انتهي به إليه، فحبسه في الصنين ولج في حبسه وعدي يرسل إليه بالشعر، فمما قاله له:

ليس شيءٌ على المنون ببـاق غير وجه المسبح الـخـلاق
إن نكن آمنين فاجـأنـا شـر مصيبٌ ذا الود والإشـفـاق
فبرىءٌ صدري من الـظـلـم للرب وحنثٍ بمعقد الميثـاق
ولقد ساءنـي زيارة ذي قـر بى حبيبٍ لودنـا مـشـتـاق
ساءه ما بنا تـبـين فـي الأي دي وإشناقها إلى الأعـنـاق
فاذهبي يا أميم غـير بـعـيدٍ لا يؤاتي العناق من في الوثاق
واذهبي يا أميم إن يشأ الـلـه ينفس من أزم هذا الخـنـاق
أو تكن وجهةٌ فتلك سبيل النـا س لا تمنع الحتوف الرواقي

ويقول فيها:
وتقول الـعـداة أودى عـدي وبنوه قد أيقـنـوا بـغـلاق
يا أبا مسهرٍ فأبـلـغ رسـولا إخوتي إن أتيت صحن العراق
أبلغا عامـراً وأبـلـغ أخـاه أنني موثقٌ شـديدٌ وثـاقـي
في حديد القسطاس يرقبني الحا رس والمرء كل شيءٍ يلاقي
في حديدٍ مضاعف وغـلـولٍ وثيابٍ منضـحـاتٍ خـلاق
فاركبوا في الحرام فكوا أخاكم إن عيراً قد جهزت لانطلاق

يعني الشهر الحرام. قالوا جميعاً: وخرج النعمان إلى البحرين، فأقبل رجلٌ من غسان فأصاب في الحيرة ما أحب، ويقال: إنه جفنة بن النعمان الجفني، فقال عدي بن زيد في ذلك:

سما صقرٌ فأشعل جانبيها وألهاك المروح والعزيب

المروح: الإبل المروحة إلى أعطانها. والعزيب: ما ترك في مراعيه.

وثبن لدى الثوية ملجمـاتٍ وصبحن العباد وهن شيب
ألا تلك الغنـيمة لا إفـالٌ ترجيها مـسـومة ونـيب
ترجيها وقد صابت بـقـرٍّ كما ترجو أصاغرها عتيب

وقالوا جميعاً: فلما طال سجن عدي بن زيد كتب إلى أخيه أُبي وهو مع كسرى بهذا الشعر:

ابلـغ أبـياً عـلـى نـأيه وهل ينفع المرء ما قد علم
بأن أخاك شقـيق الـفـؤا د كنت به واثقاً ما سـلـم
لدى ملكٍ موثقٌ في الحـد يدإما بحق وإمـا ظـلـم
فلا أعرفنك كذات الغـلام ما لم تجد عارماً تعـتـرم
فأرضك أرضك إن تأتينـا تنم نومةً ليس فيها حـلـم

قال: فكتب إليه أخوه أبي:
إن يكن خانك الزمان فلا عـا جز باعٍ ولا ألف ضـعـيف
ويمـين الإلـه لـو أن جـأوا ء طحونا تضيء فيها السيوف
ذات رز مجتابةً غمرة الـمـو ت صحيح سربالها مكفـوف
كنت في حميها لجئتك أسعـى فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف
أو بمالٍ سألـت دونـك لـم يم نع تلادٌ لحـاجةٍ أو طـريف
أو بأرضٍ أسطيع آتيك فـيهـا لم يهلني بعدٌ بها أو مخـوف
إن تفتني والله إلفاً فـجـوعـاً لا يعقبك ما يصوب الخـريف
في الأعادي وأنت مني بـعـيدٌ عز هذا الزمان والتعـنـيف
ولعمري لئن جزعت عـلـيه لجزوعٌ على الصديق أسـوف
ولعمري لئن ملكـت عـزائي لقليلٌ شرواك فيمـا أطـوف

قالوا جميعاً: فلما قرأ أبي كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه في أمره وعرفه خبره، فكتب إلى النعمان يأمره بإطلاقه، وبعث معه رجلاً، وكتب خليفة النعمان إليه: إنه كتب إليك في أمره، فأتى النعمان أعداء عدي من بني بقيلة وهم من غسان، فقالوا له: اقتله الساعة فأبى عليهم، وجاء الرسول، وقد كان أخو عدي تقدم إليه ورشاه وأمره أن يبدأ بعدي فيدخل إليه محبوس بالصنين، فقال له: ادخل عليه فانظر ما يأمرك به فامتثله، فدخل الرسول على عدي، فقال له: إني قد جئت بإرسالك، فما عندك؟ قال: عندي الذي تحب ووعده بعدةٍ سنية، وقال له: لا تخرجن من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله إليه، فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن، فقال: لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب فأوصله إليه، فانطلق بعض من كان هناك من أعدائه فأخبر النعمان أن رسول كسرى دخل على عدي وهو ذاهبٌ به، وإن فعل والله لم يستبق منا أحداً أنت ولا غيرك، فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ثم دفنوه. ودخل الرسول إلى النعمان فأوصل الكتاب إليه، فقال: نعم وكرامةً، وأمر له بأربعة آلاف مثقال ذهباً وجاريةٍ حسناء، وقال له: إذا أصبحت فادخل أنت بنفسك فأخرجه، فلما أصبح ركب فدخل السجن، فأعلمه الحرس أنه قد مات منذ أيامٍ ولم نجترىء على إخبار الملك خوفاً منه، وقد عرفنا كراهته لموته. فرجع إلى النعمان، وقال له: إني كنت أمس دخلت على عدي. وهو حي، وجئت اليوم فجحدني السجان وبهتني، وذكر أنه قد مات منذ أيام. فقال له النعمان: أيبعث بك الملك إلي فتدخل إليه قبلي! كذبت، ولكنك أردت الرشوة والخبث، فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه، وتوثق منه ألا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه. فرجع الرسول إلى كسرى، وقال: إني وجدت عدياً قد مات قبل أن أدخل عليه. وندم النعمان على قتل عدي وعرف أنه احتيل عليه في أمره، واجترأ عليه وهابهم هيبةً شديدةً. ثم إنه خرج إلى صيده ذات يوم فلقي ابناً لعدي يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا زيد بن عدي بن زيد، فكلمه فإذا غلامٌ ظريفٌ، ففرح به فرحاً شديداً وقربه وأعطاه ووصله واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه، ثم كتب إلى كسرى: إن عدياً كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه، فأصابه ما لابد منه وانقطعت مدته وانقضى أجله، ولم يصب به أحدٌ أشد من مصيبتي، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلاً إلا جعل الله له منه خلفاً لما عظم الله من ملكه وشأنه، وقد بلغ ابن له ليس بدونه، رأيته يصلح لخدمة الملك فسرحته إليه، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل وليصرف عمه عن ذلك إلى عملٍ آخر. وكان هو الذي يلي المكاتبة عن الملك إلى ملوك العرب في أمورها وفي خواص أمور الملك. وكانت له من العرب وظيفةٌ موظفةٌ في كل سنة: مهران أشقران يجعلان له هلاماً، والكمأة الرطبة في حينها واليابسة والأقط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي يلي ذلك له وكان هذا عمل عدي. فلما وقع زيد بن عدي عند الملك هذا الموقع سأله كسرى عن النعمان، فأحسن الثناء عليه. ومكث على ذلك سنواتٍ على الأمر الذي كان أبوه عليه. وأعجب به كسرى، فكان يكثر الدخول عليه والخدمة له. وكانت لملوك العجم صفةٌ من النساء مكتوبةٌ عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب ولا يظنونها عندهم. ثم إنه بدا للملك في طلب تلك الصفة، وأمر فكتب بها إلى النواحي، ودخل إليه زيد بن عدي وهو في ذلك القول، فخاطبه فيما دخل إليه فيه، ثم قال: إني رأيت الملك قد كتب في نسوة يطلبن له وقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عارفاً، وعند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، قال: فاكتب فيهن، قال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصةً أنهم يتكرمون – زعموا في أنفسهم – عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهن، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك، فابعثني وابعث معي رجلاً من ثقاتك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبه، فبعث معه رجلاً جلداً فهماً، فخرج به زيد، فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة، فلما دخل عليه أعظم الملك وقال: إنه قد احتاج إلى نساء لنفسه وولده وأهل بيته، وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك، فقال: ما هؤلاء النسوة؟ فقال: هذه صفتهن قد جئنا بها. وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جاريةً كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، فكتب إلى أنوشروان بصفتها، وقال: إني قد وجهت إلى الملك جاريةً معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء قمراء وطفاء كحلاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء برجاء زجاء أسيلة الخد، شهية المقبل، جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاش المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، ضامرة البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح الأقبال، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموعاً للسيد، ليست بخنساء ولا سفعاء، رقيقة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذ في بؤسٍ، حييةً رزينةً، حليمةً ركينةً، كريمة الخال، تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها، وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، قطيعة اللسان ورهو الصوت ساكنته، تزين الولي، وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة إذا قمت، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست. قال: فقبلها أنوشروان وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز. فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان، فشقت عليه؛ وقال لزيد والرسول يسمع: أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته! فقال الرسول لزيد بالفارسية: ما المها والعين؟ فقال له بالفارسية: كاوان أي البقر؛ فأمسك الرسول. وقال زيد للنعمان: إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به. فأنزلهما يومين عنده، ثم كتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عند الملك. فلما رجعا إلى كسرى؛ قال زيدٌ للرسول الذي قدم معه: اصدق الملك عما سمعت، فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك فيه. فلما دخلا على كسرى، قال زيدٌ: هذا كتابه إليك، فقرأه عليه. فقال له كسرى: وأين الذي كنت خبرتني به؟ قال: قد كنت خبرتك بضنتهم بنسائهم على غيرهم، وإن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش، وإيثارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمونها السجن، فسل هذا الرسول الذي كان معي عما قال، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به. قال للرسول: وما يقال! أيها الملك، إنه قال: أما كان في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا، فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، لكنه لم يزد على أن قال: رب عبدٍ قد أراد ما هو أشد من هذا ثم صار أمره إلى التباب. وشاع هذا الكلام حتى بلغ النعمان، وسكت كسرى أشهراً على ذلك. وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك حاجةً إليك، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه، ثم لحق بجبلي طي وكانت فرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلاً وامرأة، وكانت أيضاً عنده زينب بنت أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيئاً على أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه، وقالوا له: لولا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى، ولا طاقة لنا به. وأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحدٌ منهم يقبله، غير أن بني رواحة بن قطيعة بن عبسٍ قالوا: إن شئت قاتلنا معك، لمنةٍ كانت له عندهم في أمر مروان القرظ، قال: ما أحب أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى. فأقبل حتى نزل بذي قارٍ في بني شيبان سراً، فلقي هانىء بن قبيصة، وقيل بل هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان سيداً منيعاً، والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين، وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئاً يمنعه مما يمنع منه نفسه. وقال حماد الراوية في خبره: إنه إنما استجار بهانىء كما استجار بغيره فأجاره، وقال له: قد لزمني ذمامك وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجلٌ، وإن ذلك غير نافعك لأنه مهلكي ومهلكك، وعندي رأيٌ لك، لست أشير به عليك لأدفعك عما تريده من مجاورتي ولكنه الصواب؛ فقال: هاته؛ فقال: إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يكون بعد الملك سوقة، والموت نازلٌ بكل أحدٍ، ولأن تموت كريماً خيرٌ من أن تتجرع الذل أو تبقى سوقة بعد الملك، هذا إن بقيت، فأمض إلى صاحبك وارسل إليه هدايا ومالاً وألق نفسك بين يديه، فإما أن صفح عنك فعدت ملكاً عزيزاً، وإما أن أصابك فالموت خيرٌ من أن يتلعب بك صعاليك العرب ويتخطفك ذئابها وتأكل مالك وتعيش فقيراً مجاوراً أو تقتل مقهوراً؛ فقال: كيف بحرمي؟ قال: هن في ذمتي، لا يخلص إليهن حتى يخلص إلى بناتي؛ فقال: هذا وأبيك الرأي الصحيح، ولن أجاوزه. ثم اختار خيلاً وحللاً من عصب اليمن وجوهراً وطرقاً كانت عنده، ووجه بها إلى كسرى وكتب إليه يعتذر ويعلمه أنه صائرٌ إليه، ووجه بها مع رسوله، فقبلها كسرى وأمره بالقدوم؛ فعاد إليه الرسول فأخبره بذلك وأنه لم ير له عند كسرى سوءاً. فمضى إليه حتى إذا وصل إلى المدائن لقيه زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال له: انج نعيم، إن استطعت النجاء؛ فقال له: أفعلتها يا زيد! أما والله، لئن عشت لك لأقتلنك قتلةً لم يقتلها عربي قط ولألحقنك بأبيك! فقال له زيد: امض لشأنك نعيم، فقد والله أخيت لك أخيه لا يقطعها المهر الأرن. فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه، فقيده وبعث به إلى سجن كان له بخانقين، فلم يزل فيه حتى وقع الطاعون هناك فمات. فيه. وقال حمادٌ الراوية والكوفيون: بل مات بساباط في حبسه. وقال ابن الكلبي: ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات، واحتجوا بقول الأعشى:

فذاك وما أنجى من الموت ربه بساباط حتى مات وهو محزرق

قال: المحرزق: المضيق عليه. وأنكر هذا من زعم أنه مات بخانقين، وقالوا: لم يزل محبوساً مدة طويلة، وإنه إنما مات بعد ذلك بحينٍ قبيل الإسلام، وغضبت له العرب حينئذ، وكان قتله سبب وقعه ذي قارٍ. عدي بن زيد وهند بنت النعمان أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح وأخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال علي بن الصباح حدثني هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب الشاعر العبادي يهوى هند بنت النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرىء القيس بن النعمان بن امرىء القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم وهو مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولها يقول:

علق الأحشاء من هندٍ علق مستسرٌ فيه نصبٌ وأرق

وهي قصيدةٌ طويلةٌ. وفيها أيضاً يقول:

من لقلب دنفٍ أو معتـمـد قد عصى كل نصوحٍ ومغد

وهي طويلة. وفيها أيضاً يقول:

يا خليلي يسرا التـعـسـيرا ثم روحا فهجرا تهـجـيرا
عرجا بي على ديارٍ لهـنـدٍ ليس أن عجتما المطي كبيرا

أما قصة تزوجه بهتد، قال ابن الكلبي: وقد تزوجها عدي. وقال ابن أبي سعد، وذكر ذلك خالد ابن كلثوم أيضاً قالا: كان سبب عشقه إياها أن هنداً كانت من أجمل نساء أهلها وزمانها، وأمها مارية الكندية؛ فخرجت في خميس الفصح، وهو بعد السعانين بثلاثة أيام، تتقرب في البيعة، ولها حينئذ إحدى عشرة سنةً، وذلك في ملك المنذر؛ وقد قدم عدي حينئذ بهديةٍ من كسرى إلى المنذر، والنعمان يومئذ فتى شاب، فاتفق دخولها البيعة وقد دخلها عدي ليتقرب، وكانت مديدة القامة عبلة الجسم، فرآها عدي وهي غافلةٌ فلم تنتبه له حتى تأملها، وقد كان جواريها رأين عديا وهو مقبلٌ فلم يقلن لها ذلك، كي يراها عدي، وإنما فعلن هذا من أجل أمةٍ لهند يقال لها مارية، وقد كانت أحبت عدياً فلم تدر كيف تأتي له. فلما رأت هند عدياً ينظر إليها شق ذلك عليها، وسبت جواريها ونالت بعضهن بضرب؛ فوقعت هند في نفس عدي، فلبث حولاً لا يخبر بذلك أحداً. فلما كان بعد حولٍ وظنت مارية أن هنداً قد أضربت عما جرى وصفت لها بيعة دومة – وقال خالد بن كلثومٍ: بيعة توما وهو الصحيح – ووصفت لها من فيها من الرواهب، ومن يأتيها من جواري الحيرة، وحسن بنائها وسرجها؛ وقالت لها: سلي أمك الإذن لك في إتيانها، فسألتها ذلك فأذنت لها، وبادرت مارية إلى عدي فأخبرته الخبر فبادر فلبس يلمقاً كان “فرخانشاه مرد” قد كساه إياه وكان مذهباً لم ير مثله حسناً، وكان عدي حسن الوجه، مديد القامة، حلو العينين، حسن المبسم، نقي الثغر. وأخذ معه جماعةً من فتيان الحيرة، فدخل البيعة؛ فلما رأته مارية قالت لهند: انظري إلى هذا الفتى! فهو والله أحسن من كل ما ترين من السرج وغيرها! قالت: ومن هو؟ قالت: عدي بن زيد؛ قالت: أتخافين أن يعرفني إن دنوت منه لأراه من قريب؟ قالت: ومن أين يعرفك وما رآك قط من حيث يعرفك! فدنت منه وهو يمازح الفتيان الذين معه وقد برع عليهم بجماله، وحسن كلامه وفصاحته، وما عليه من الثياب، فذهلت لما رأته وبهتت تنظر إليه. وعرفت مارية ما بها وتبينته في وجهها، فقالت لها: كلميه، فكلمته، وانصرفت وقد تبعته نفسها وهويته، وانصرف بمثل حالها. فلما كان الغد تعرضت له مارية، فلما رآها هش لها، وكان قبل ذلك لا يكلمها، وقال لها: ما غدا بك؟ قالت: حاجةٌ إليك، قال: اذكريها، فوالله لا تسأليني شيئاً إلا أعطيتك إياه، فعرفته أنها تهواه، وأن حاجتها الخلوة به على أن تحتال له في هند، وعاهدته على ذلك؛ فأدخلها حانوت خمارٍ في الحيرة ووقع عليها، ثم خرجت فأتت هنداً، فقالت: أما تشتهي أن تري عدياً؟ قالت: وكيف لي به؟ قالت: أعده مكان كذا وكذا في ظهر القصر وتشرفين عليه؛ قالت: افعلي، فواعدته إلى ذلك المكان، فأتاه وأشرفت هند عليه، فكادت تموت، وقالت: إن لم تدخليه إلي هلكت. فبادرت الأمة إلى النعمان فأخبرته خبرها وصدقته، وذكرت أنها قد شغفت به، وأن سبب ذلك رؤيتها إياه في يوم الفصح، وأنه إن لم يزوجها به افتضحت في أمره أو ماتت؛ فقال لها: ويلك! وكيف أبدؤه بذلك! فقالت: هو أرغب في ذلك من أن تبدأه أنت، وأنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره. وأتت عدياً فأخبرته الخبر، وقالت: ادعه، فإذا أخذ الشراب منه فاخطب إليه فإنه غير رادك؛ قال: أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سبب العدواة بيننا؛ قالت: ما قلت لك هذا حتى فرغت منه معه؛ فصنع عدي طعاماً واحتفل فيه، ثم أتى النعمان بعد الفصح بثلاثة أيام، وذلك في يوم الإثنين، فسأله أن يتغدى عنده هو وأصحابه، ففعل. فلما أخذ منه الشراب خطبها إلى النعمان، فأجابه وزوجه وضمها إليه بعد ثلاثة أيام. قال خالد بن كلثوم: فكانت معه حتى قتله النعمان، فترهبت وحبست نفسها في الدير المعروف بدير هند في ظاهر الحيرة. وقال ابن الكلبي: بل ترهبت بعد ثلاث سنين ومنعته نفسها واحتبست في الدير حتى ماتت، وكانت وفاتها بعد الإسلام بزمان طويل في ولاية المغيرة بن شعبة الكوفة، وخطبها المغيرة فردته)).
المرجع:
كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من قصائده:..

العنوان ديوان عدي بن زيد العبادي
المجلد 2 من سلسلة كتب التراث ؛
المجلد 2 من Silsilat Kutub al-turāth
المؤلفون عدي بن زيدمعيبد، محمد جبار
الناشر شركة الجمهورية للنشر والطبع،, 1965
عدد الصفحات 328 من الصفحات

مؤلفات عنه:

عدي بن زيد العبادي الشاعر المبتكر; حياته وشعره
المؤلف محمد علي الهاشمي
الناشر دار البشائر الإسلامية, 1987
عدد الصفحات 324 من الصفحات
العنوان عدي بن زيد العبادي
المؤلف نبوية توفيق الخولاني
الناشر جامعة الأزهر – كلية الدراسات الإسلامية فرع البنات, 1981
العنوان المفارقة فى شعر عدى بن زيد
المؤلف يوسف، حسنى عبد الجليل
الناشر الدار الثقافية للنشر،, 2001
أصلي من جامعة ميتشيغان
الكتب ذات التنسيق الرقمي 7 أيار (مايو) 2008
عدد الصفحات 159 من الصفحا
العنوان عدي بن زيد العبادي، شخصيته وشعره
المؤلف Nadhīr ʻAẓmah
الناشر دار مجلة شعر،, 1960
أصلي من جامعة ميتشيغان
الكتب ذات التنسيق الرقمي 9 كانون الأول (ديسمبر) 2005
عدد الصفحات 136 من الصفحات
%d مدونون معجبون بهذه: