الصادق عبد الله يكتب عن رواية ترجمان الملك


Alsadig Abdallaترجمان الملك

عندما بدأ تعليقات المعلقين تترى على صفحات التواصل. اكتفيت على استحياء بالتعليق على صورة الغلاف. وذلك أضعف التعليق.. حتى جاء بي العيد. وذهبت وسألت أيكم ترجمان الملك، أيكم دلمار، أو سيسي أو حتى أصحمة. أريد سيمونة وبناتها.. فكان لي.

عزيزي القارئ.. إذا أريد لهذه كلمة أن تكون على هامش رواية ترجمان الملك. فستكون هي الكلمة الرابعة.. من القارئ وإليه. هذا بعد كلمة المؤلف والراوي وكلمة الناشر. ولعمري هنا كلما يلمع ذهباً.

تبدأ الرواية بالترجمان حفيد الترجمان، حيث تعلم الترجمان الجد العربية من اختلاطه بقوافل تجارة العرب المتجهة غرباً في العدوة الغربية من البحر الأحمر. تنقل المنافع في سلع ذلكم الزمان. وتحط في سوبا أو سبأ في العدوة الشرقية للنيل قبل مقرنه الكبير. وقد تعلم الترجمان الحفيد من جده وأخذ منه العلم والحكمة. وقد تجاوزت وظيفة الترجمان إلى الترجمة وأشياء أخرى من شأن البلاط والسياسة. ومنها الوصل بين الملك والرعية (إعلامي داوكاتي)، ثم دخوله عرّاباً وسيطاً لاستراداد العرش وإعادة الأمير إلمختطف إلى عرش والده.

الرواية تروي عن سوبأ. سوبأ عاصمة دولة مكتنزة كاملة التقاسيم. ومن يذكر سوبأ لا بد أن يذكر النيل. بأفراسه ولقالقه وتماسيحه وجزائره، شرقه وغربه.وتذكر الممالك أعلاه واسفله. وما حوله من بلاد. ويذكر تاريخ الملوك. سوبا وشعبها العنج العماليق، هي وريثة سبأ، بمجدها وسحرها. وسوبا بوتقة لغات العالم في وقتها. سوبأ مدينة المنازل الفخيمة والبساتين. كنائسها وأجراسها. مدينة تحيطها اسوارها. مرابط الخيل ودور الجند العنج. والأسواق، أسواق تعج بالجالبين والطالبين. الثياب من جزر أعالي البحار. الدمقس والحرير. الذهب. لم تعرف بلاد في الدنيا بالذهب مثل سوبا العاصمة. قصر السلطان الملك. ومنحوتاته الذهب والمرمر. عاصمة استخدمت العربة والخيول كما استخدمت عجلة الماء (النواعير والسواقي) تضاهي نينوى، دمشق أو روما أو أثينا إن شئت .

عندما أعلنت الرسالة السماوية الخاتمة في جزيرة العرب، كانت أخبارها طازجة، كدتّ أقول صحف الصباح توزع مع زلابيا الصباح. يتداولها الراي العام في سوق سوبا. كان قوم سبأ أو سوبا إن شئت يعرفون أسلاف هذا النبي الخاتم، الذي ملأت شهرته الآفاق. فقد كان هناك أبو طالب، بل كان الجد هاشم من رواد هذه السوق الافريقية. أما آخرا، فقد كان شاعر العرب أمية ابن الصلت يرتاد مجلس الملك في سوبا ويتعبد في كنائسها، ينتظر مقدم الرسالة. حتى قدم المهاجرون بدينهم، باسمائهم ونسائهم. يغسلون أجسادهم يرتلون صلواتهم ويقيمونها ركوعا وسجودا. وكعادة العرب يحتفظون بكامل هويتهم ونسبهم حتى الجد الاخير. وبينهم صبيهم الزبير بن العوام الذي امه صفية بنت عبدالمطلب. والذي صادق وصاحب الترجمان الحفيد (السيسي). وقد قص الزبير كل قصة ما يدور في مكة للترجمان الصغير. ثم عودتهم ورجوعهم شرقاً من حيث أتوا. جاءوا مرة أخرى، ويستقبلهم النجاشي اصحمة بن الابجر، لترسل قريش على إثرهم وفدها ليجادل الملك. وعندما تمددت الامبراطورية الاسلامية كان كل شيء هادي في الميدان الغربي (افريقيا).

الرواية ملئية بالفعل السياسي. التنصيب. المكيدة. الحرب.الاختطاف. سطوة المؤسسة الدينية ونفوذها في تعيين الوزراء دون اعتبار لمؤهلات أو كفاءة. وهم شرهون للثراء بكافة الوسائل. ومكيدتهم لازاحة الملك واختطاف ولي العهد. والسحر والاتجار بالبشر. بل وشن الحرب على الملك القائم. والرواية تتوسع قصة اختطاف الأمير. تدبيرها. بيعه. نقله. معاناته. دعائه. وانفراج أمره وعودته للعرش. كأنها قطعة من رواية أليكس هيلي (الجذور). الرواية دائرية. الملك الصغير يظهر في بداية القصة كملك ثم يأتي لاحقا الحديث عن اختطافه ثم عودته للحكم. والراوي الترجمان يحكي عن جده الترجمان..

بالرواية وصفات كاملة لبعض فلكلور مملكة سوبا: مبروكة بائعة الروب، جنازة دلمار (الترجمان الكبير)، حمام الدخان والدلكة. زفة العريس (السيرة)، بل وصورة جزيرة التمساح المزبلة المتسخة .. ضفادع، خنافس، ونباح الكلاب (ألا زالت جزيرة التمساح متسخة؟)

ومفردات النبلة، القلابة، الدردور، المسقوفة (الراكوبة) الطهارة (الختان)، ساري الليل. جزيرة التمساح. شطة القبانيت (شطة سودانية، أم حبشية أم كلاهما). البرذعة (البردعة).. اليرابيع (الجرابيع). المدرة. متمطق (تحريك اللسان). محفظة (محفضة). المرق (العمود). الدانقة (الغرفة). التُّكل.. المرحاكة (المحراكة). البرجوب. استقاء الماء من النيل بالجرار. والنسوة يغسلن الملابس باقدامهن.

رواية ترجمان الملك عن دار نهضة مصر، عن عمر فضل الله. كتاب يتأهل لمقولة ابن قدامة المقدسي.. حمل الاسفار في الاسفار. فهو كتاب بحجم جهاز التلفون (تاب فور). سهل الإدارة، في بيتك أو جيبك أو حقيبتك. صفحاته من الثلاثمائة أقل قليلاً. جاءت رواية ترجمان الملك، كما قيل عنها في مسار الروايات التي مدارها التاريخ. تصنع من حقائق التاريخ خبزاً ومتاعا حسناًً. ذكرتني الرواية فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي.. ورجال حول الرسول لخالد محمد خالد، والذي كتب فيه السيرة بصورة أقرب للدراما. ثم ذهبت بي ترجمان الملك إلى أليكس هيلي في رائعته الجذور.

ترجمان الملك لها قابليتها للتوسع في الجغرافيا والتاريخ والفلكلور والسياسة. لها قابلية أن تلتهم قصص الرحالة الذين صعدوا أو هبطوا مجرى النيل.. الذين وصفوا النيل، هضابه ووهاده وشعوبه الطوال منهم والقصار. يمكن لرواية ترجمان الملك أن تنمو من الداخل. أو نحو الممالك المجاورة. أو نحو التاريخ اللاحق إلى عهد الفونج، بما في ذلك قصة الخراب الشهيرة.. وكفيلة بأن تدخل عهود لاحقة حتى إدريس ود الأرباب وحسن ود حسونة ورثاء سوبأ. ولها مرونتها أن تصبح فيلماً أو مسلسلاً مسموعاً أو مشاهداً بكامل صوره، مشاهداته. والرواية بدون شك ستجد موقعها في سنار عاصمة الثقافة.. عاش ملكنا أصحمة. وعاش كاتبنا عمر بن أحمد بن فضل الله.

الصادق عبدالله عبدالله
20 سبتمبر 2016

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: