مشوار حياة المؤرخ والأديب السوداني دكتور عمر فضل الله


مشوار حياة د. عمر فضل الله
إعداد: منى حسن

  1. ذكريات النشأة والطفولة في قرية العيلفون الغافية على ضفاف النيل الأزرق، حاضنة خلاوي القرآن؟
    لم أنتقل بمشاعري حتى اليوم عن كوني طفلاً فتح عينيه في بيت يفتح بابه على باب المسجد الكبير بالعيلفون فيرى المصلين وخلوة حفظ القرآن وطلبة العلم وحلقات الذكر والمادحين والنوبة والنحاس في الأعياد. العيلفون هي جنتي في الدنيا رغم أني طفت العالم ورأيت أجمل مدنه وأريافه. لا نيل في السودان إلا الذي يجري غرب العيلفون ولا رمل إلا رمله ولا حدائق إلا التي اختارت جواره. لم أسمع الأطيار تغني إلا هناك ولم أعرف معنى الجمال الحقيقي إلا في تلك الأرض ووجوه الناس. في العيلفون عرفت المعنى الحقيقي للتكافل وصلة الأرحام والتعاطف والتواد والتراحم والعلاقات الجميلة. في العيلفون عرفت متعة اللعب مع الأقران والسباحة في النيل. أجمل الذكريات التي بقيت معي حتى اليوم هي من ذكريات العيلفون وأظنها ستدخل معي القبر وسأستعيدها في جنة الخلد هناك حيث الحياة الحقيقية. أسأل الله أن تكون هناك عيلفون في الجنة بكل أهلها ومبانيها وشوارعها وأحداثها.
  2. ذكريات مقاعد الدراسة وما تبقى من عطر أرواح الصداقات فيها؟
    منذ السنة الأولى الابتدائية كنا نحفظ أسماء زملائنا وترتيب مقاعدهم في الفصل. وما زلنا نذكر الطرائف والتلائد بتفاصيلها. زملاء الأمس في جميع المراحل بقوا هم أصدقاء اليوم. وذكريات مقاعد الدراسة بقيت هي أجمل الذكريات. ورغم أنه فرقتنا الأيام والأحداث لكن ما يحمله بعضنا لزملائه منذ ذلك الوقت من ود جميل وشعور نبيل لا نكنه لغيرهم. ثم لما دارت الأيام واستحدث العالم التقانات عدت أبحث عما انقطع من حبل تلك الصداقات لأجدده وأتاحت لي وسائل التواصل الاجتماعي تجديد زمان الوصل فأنشأت المجموعات لزملاء الإبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة أحيي فيها تلك الذكريات وأنشد معهم أناشيد الطفولة والبراءة وحتى نشيد الوداع الذي كنا نردده في نهاية كل مرحلة من المراحل ونحن نعلم أنه ليس وداعاً لكنه انتقال من مرحلة لأخرى لكنا كنا ننشده من أجل دمعة الوداع المؤقت وهو نشيد قديم طالما تغنى به التلاميذ وقد كتبه الشاعر الأسكتلندي روبرت بيرنز (1759 – 1796م) وترجمه إلى العربية الأستاذ أحمد محمد سعد ببخت الرضا عام 1951م
    هل ننسى أياماً مضت هل ننسى ذكراها
    هل ننسى أياما مضت مرحاً قضيناها

من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها

كم قد رتعنا في الربى فرحاً بمثواها
كم قد قطفنا من زهور من ثناياها
كم قد مشيناها خطى كم قد مشيناها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها


كم قد سبحنا في الغدير معا صباح مساء
واليوم يفصل بيننا بحر أمواجه هوجاء
من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها


هذي يدي يا صاحبي قدم إلي يدا
ولنخلصن نياتنا ولنصدق الوعدا
من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها


كم قد مرحنا كم طربنا إذ طويناها
أيام أنس زاهيات كيف ننساها
من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها
والنص الإنجليزي يقول:
Should old acquaintance be forgot, and never brought to mind?
Should old acquaintance be forgot, and old lang syne?
For auld lang syne, my dear, for auld lang syne
We’ll take a cup of kindness yet, for auld lang syne.
And surely you’ll buy your pint cup ! and surely I’ll buy mine !
And we’ll take a cup o’ kindness yet, for auld lang syne.
We two have run about the slopes and picked the daisies fine;
But we’ve wandered many a weary foot, since auld lang syne.
We two have paddled in the stream, from morning sun till dine;
But seas between us broad have roared since auld lang syne.
And there’s a hand my trusty friend! And give us a hand o’ thine!
And we’ll take a right good-will draught, for auld lang syne.

  1. مرحلة الدراسة الجامعية بدءا من السودان، انتقالا إلى السعودية، وما صاحبها من أصدقاء وأحداث؟
    شهدت جامعة الخرطوم سنوات من العصف والتوتر وعدم الاستقرار في سبعينيات القرن الماضي. كان هناك ما يشبه الحرب بين النظام القائم آنذاك والطلاب تمثل فيما شهدناه من الوجود المستمر لقوات الجيش والأمن والشرطة في باحات الجامعة وداخليات الطلاب وامتلأت السجون والمعتقلات بطلاب الجامعات والمدارس الثانوية. جامعة الخرطوم كانت تعج بالنشاط السياسي والثقافي بالرغم من هذا كله فمقهى النشاط والصحف الحائطية لم تتوقف ولكن الدراسة لم تكن مستقرة وفقد الجامعة ألقها القديم في تلك السنوات. صديقي في تلك الأيام كان هو المرحوم محمد بن المرحوم الزعيم إسماعيل الأزهري فقد كان زميلي في كلية الإقتصاد، وقد تركت تلك السنة اليتيمة بصمات في خاطري وذاكرتي لا تزول. المحاضرون كانوا متميزين. درسنا الرياضيات على البريطانية مسز بابكر واللغة الإنجليزية على مسز هاشم زوجة محمد هاشم عوض وكنت أحضر دروس اللغة الفرنسية بعد العصر مع مسيو باتريس ماريه وحلقات الثقافة والأدب مع الأستاذ الشاعر محمد الواثق وغيرهم من العمالقة. وفي تلك الأيام التقيت بالأستاذ الدكتور عبد الله الطيب لأول مرة.
    وحين غادرت السودان إلى السعودية أمضيت فترة برفقة زميلي عصام احمد البشير فتتلمذنا على الشيخ الألباني في المدينة المنورة وكنا نشهد حلقات الشيخ أبي بكر جابر الجزائري في المسجد النبوي وحلقات الشيخ الكتاني المغربي وغيرهم من العلماء وكان ذلك كله قبل الحصول على المنحة الدراسية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.
  2. كيف تصف البيئة الجامعية في المملكة العربية السعودية آنذاك؟
    مليئة بالأحداث الجميلة والذكريات الحلوة. كانت هناك مجموعة من المحاضرين السودانيين أذكر منهم على سبيل المثال: الأستاذ الدكتور محمد طالب الله والأستاذ الدكتور عبد الرحمن محمد سعيد والدكتور يوسف نور عوض والدكتور زكريا بشير إمام وغيرهم بالإضافة إلى عدد كبير من الطلاب السودانيين وخاصة من أبناء العيلفون. وأتاحت لنا الدراسة في جامعة الملك عبد العزيز عقد الصداقات مع طلاب من مختلف الدول العربية وبقية دول العالم.
    كنا ونحن طلبة نتلقى المنح والمكافآت الشهرية التي تكفينا للأكل والشرب والترحيل ومصاريف الدراسة وكانت الجامعة توفر السكن مجاناً. وكنا نسكن معاً في مجتمع جميل أو نخالط الجنسيات الأخرى من السعودية والشام واليمن أو من الأقليات القادمة من البعيد جداً من جمايكا أو البرازيل وغيرهم من الطلاب المسلمين.
    مجتمع الداخليات كان مجتمعاً جميلاً وكان الطلاب يتشاركون ما يعرف بالميز لصنع الطعام وحين انتقلنا إلى الداخليات التي تقع على شارع الجامعة المشهور بمحلات بيع الفول والطعمية وغيرها نشأ الأدب المصاحب لهذه المحلات حيث كنا نشتري الرغيف والفول من الباعة وذلك مرتين صباحاً ومساء فاكتسبنا الخبرات في هذا المجال ومما أذكره من الأراجيز التي كتبتها حول هذا الأمر عن الخبز وأنواعه:
    إن (التَّمِيسَ) سيد الرغيف ** اللين المنعنش الظريف
    لا ترض صاح للتميس من بدل *** فهو طعام سائغ لمن أكل
    و(عيش لبنان) به مشاكل *** مضمونة غازاته للآكل
    فهي إذا جاءتك عند النوم *** فرعدها يصم سمع القوم
    إياك أن تشتري (الصامولي) *** لأنه يضيع طعم الفول
    وإن غلطت واشتريت (الشامي) *** فقد أضعت لذة الطعام

الجامعة كانت تعج بالنشاط الثقافي والأكاديمي والاجتماعي والرحلات الجامعية وكانت تضم مكتبات غنية وثرة أضافت الكثير لحصيلتي المعرفية. كنا نذهب في نهاية الأسبوع لأداء العمرة أو نصلي الجمعة في الحرم المكي ونلتقي بطلبة جامعة أم القرى من السودانيين الذين جاء معظمهم من جامعة أم درمان الإسلامية لدراسة الماجستير في العلوم الإسلامية وفي موسم الحج كنا ننظم المجموعات من الطلاب المتطوعين لخدمة الحجاج السودانيين وتقديم العون والإرشاد لهم وكان ذلك العمل يتم عبر تنظيم طلابي اسمه (الجوالة).
وكان الأستاذ محمد حجاز مدثر يرحمه الله هو الملحق الثقافي والأكاديمي بسفارة السودان بجدة وكان بيته مقابلاً لداخليات وسكن الطلاب بحي النزلة إلا أنه لم يكن يزور الطلاب ليتعرف على مشكلاتهم واحتياجاتهم فكنا نراه في مركبته الفارهة يخرج من منزله فيتجه صوب السفارة صباحاً أو يعود إلى بيته مساء. لكن علاقته بالطلاب كانت ضعيفة فطلب مني زملائي أن أكتب إليه رسالة عتاب فلم أجد أرق ولا ألطف من الشعر فكتبت أبياتاً على سبيل المداعبة أذكر منها:
يا بن حجاز إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمع
ملحق قد جاء في موكبه فشربنا الشاي في مكتبه
راح منقولاً ولم نسمع به
غير أنا لم ننل من مركبه
غير هبات الغبار الألمعي
شكت الأقدام من طول الحفا
لم نجد في وصفه من عرفا
فهو قد سار بعيداً وكفى
هل ترى في هجره قد أنصفا
أم هو إهمال وبعض الوجع

وبالرغم من أنها كانت أبياتاً في المداعبة إلا أنها وجدت أذنا صاغية من المرحوم محمد حجاز عليه الرحمة. أوحت لنا تلك الأيام بالكثير وقد سطرت بعضها قصائد أو أهازيج ضاعت مع الأيام لكني أذكر منها في البكاء عليها:
كيف كنا في أمسنا كيف كنا؟ كيف كانت أرواحنا في تسامي
كيف عشنا رغم الحياة خلوداً هو في واقع الأمر في بعض عام
لست أدري في وقتها كان شيئاً فاق دنيا الحساب والأرقام
(مسجد الزيني) في النزلة يشهد أنا قد عمرناه في صلاة القيام
والتقينا في ساحة الحرم المكي جموعاً تتلو لخير الكلام
تلك ذكرى والذكريات شفاء حين عز اللقاء فالقلب دام
هل ترى تذكر النزلة لما عمر (الميز) وقتها بالكرام
نحتسي الشاي مرة ثم أخرى ريثما يتم طهي الطعام
والحديث العذب يسري رويداً في جميع العلوم كالإلهام
في السياسة في الدين في الآداب في القانون والأحكام
في العلوم في الفقه والفكر في التاريخ في (الإعلام)
ياترى هل تعود تلك الليالي؟ رب رمية للقاء من غير رام
قد حوى ذلك الزمان إخاء عز فوق الأنساب والأرحام
5. مرحلة الدراسات العليا في أمريكا، ومحصلتها من المعارف والأصدقاء؟
أعتبر هذه المرحلة نقطة تحول في حياتي العلمية والعملية ففي الولايات المتحدة إما أن تجتهد فتنجح أو تفرط فتفشل ولا توجد منطقة وسطى. كنت أقضي ما بين ثمانية عشر ساعة وعشرين في الدروس أو المعامل ولا أعود إلا لأنام لأستيقظ صباح اليوم التالي وهكذا. وبالرغم من أنني كنت على منحة إلا أنني كنت أعمل في العطلات لتوفير المزيد من النقود. تجنبت مصاحبة السودانيين لأني تعلمت من حياتي في المملكة العربية السعودية أن حياتهم الاجتماعية مفرطة وأنها تضيع وقتي. لكني بالرغم من ذلك تمكنت من مصاحبة الكل حتى المشردين في الشوارع وفرق العصابات لأتعلم منهم ثقافة تلك الطبقة من الشعب الأمريكي وتعلمت منهم اللهجة الأمريكية American Slang فكنت أجلس مع من يطلق عليهم Street Corner Community الذين يجلسون في ركن الشارع ثم كتبت عنهم بعد ذلك رواية باللغة الإنجليزية لم تنشر بعد واسمها The Devil in me الشيطان الذي بداخلي. اكتسبت كثيراً من الأصدقاء من البيض ومن الملونين وخاصة من جمايكا والمكسيك. وتمكنا من تأسيس مصلى في الجامعة تحول بعدها إلى مسجد كبير يؤمه الطلاب. كنت أشهد جمعيات برمجيات الحاسب الآلي وخاصة جمعيات تبادل البرمجيات Software المجانية مثل مجموعات الاهتمامات الخاصة بنظام أبل Apple SIG ومؤتمرات تقنية المعلومات والمناشط العلمية وقد شهد ذلك الزمان انفجار تقانات المعلومات وبرمجياتها وتتوج بظهور الانترنت في آخر أيامنا بالولايات المتحدة.
6. أهم الروافد التي أسهمت في التشكل المعرفي لديك كشاعر وروائي؟
فيما يتعلق بالشعر فقد أسهم إخواني الكبار وأساتذتي في حفز ملكة الشعر عندي ثم قراءاتي الكثيرة وسهولة الحصول على دواوين الأدب والشعر فقد قرأت أعمدة الأدب الأربعة البيان والتبيين للجاحظ والأمالي لأبي علي القالي وأدب الكاتب لابن قتيبة والكامل في اللغة والأدب للمبرد ثم العقد الفريد لابن عبد ربه وغيرها من كتب الأدب إضافة إلى المعلقات ودواوين الشعر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي والحديث. وتحدي الشعر منذ المتوسطة مما أوجد عندي ملكة للشعر.
وأما الرواية فقد جاءت متأخرة رغم أنها كانت عندي في محاضن حكايات الجدات قبل النوم والأحاجي والقصص الشعبية ثم غذتها القراءة والإطلاع وموسوعية المعرفة فأنا أقرأ في كل شيء تقريباً ولا أتهيب القراءة وقد قرأت الكثير في الأدب العربي والعالمي.
7. حققت نجاحات كبيرة في مجال عملك في الحاسوب والاتصالات، إلى جانب نجاحك الأدبي المتوج بالإنجازات المشرفة والجوائز والتكريمات، فكيف تصالح الأديب مع المهندس بداخلك؟
تعدد المواهب والمجالات أمر غريب في زماننا هذا وهو ليس كذلك عند من سبقونا فكثير من الفقهاء والعلماء تجدينهم قد برعوا في أفرع العلم المختلفة فبالإضافة إلى اللغة والفقه وعلوم القرآن والحديث تجدينهم قد برعوا في الطب والرياضيات والفيزياء وعلوم الفلك وغيرها والأمثلة كثيرة حتى إنك لتعجبين من أين لهم كل هذا الوقت للاطلاع على هذه العلوم والمعارف. وإذا كان ذلك في الزمان القديم فمن باب أولى زماننا هذا الذي أصبحت فيه العلوم والمعارف في متناول الأيدي لكن فترت الهمم ولو تعلقت همة أحدكم بالثريا لنالها. وأما فيما يخصني فقد وجدت عندي الملكة لأنهل من مختلف العلوم وأظن أن السر وراء هذا هو حفظ القرآن الذي يفتح آفاق الطفل وينمي عنده القدرة على الفهم والاستيعاب ويزيد ذخيرته اللغوية فاللغة هي أداة المعارف والعلوم ومفتاح التحصيل. وأما عني فقد وجدت نفسي في جميع هذه المجالات إضافة إلى مجالات أخرى لم يسعني الوقت لأفصح عنها وربما أفعل في مقبل الأيام.
8. حدثنا عن تجربتك في تأسيس مركز الدراسات الاستراتيجية والمركز القومي للمعلومات بالسودان، كيف كانت تجربتك، وإلى أين وصلت، وما الذي واجهك من معوقات؟
كنا ثلاثة أشخاص أسسنا المركز لما لمسناه من حاجة البلاد للتخطيط الاستراتيجي والرؤية الواضحة والغاية، فبادر الفريق متقاعد السر محمد احمد والدكتور سيف الدين محمد احمد وشخصي عمر احمد بتأسيس المركز الذي نجح خلال سنوات عمره القصيرة في عمل استطلاعات الرأي (حول تطبيق الشريعة الإسلامية – وحرب الخليج وغيرها من الاستطلاعات) كما أقام الدراسات الكثيرة للمشاريع القومية في البلاد وأجرى بالتنسيق مع مركز الإحصاء تعداد السكان الثاني عام 1992 ثم الاستراتيجية القومية الشاملة والتي ضمت في عضويتها ستة آلاف خبير سوداني كما أن المركز قام بإنشاء المركز القومي للمعلومات للتخطيط للبنية التحتية للمعلومات في السودان وإنشاء شبكات المعلومات وميكنة الدولة وغير ذلك الكثير من المنجزات غير أن مؤتمر الشبكة القومية للمعلومات تمت مصادرته وإيقافه صبيحة انعقاده وذلك دون إبداء الأسباب حتى اليوم، غير أن ذلك الزمان شهد صراعات مراكز القوى في البلاد والتي قام بعضها بمصادرة المركز القومي للمعلومات مثلما صادر من بعد ذلك مركز الدراسات ووأد الكثير من المشروعات القومية مثل مشروع الرقم الوطني الموحد ومشروع القمر الصناعي السوداني ومشاريع لو تركت لتبدلت حال البلاد. ومن مشكلاتنا الكبيرة في البلاد أنهم لا يدعمون النجاح والناجحين ما لم تكن منتمياً لحزب سياسي أو توجه آيديولوجي أو مركز من مراكز القوى في البلاد.
9. ساهمت في إنشاء المكتبة الوطنية السودانية، حدثنا عن المشروع ومدى أهميته، وأين وصل الآن؟
صاحبت مشروع المكتبة الوطنية السودانية منذ أن كان فكرة ثم دراسة في يد المرحوم البروفيسور أحمد عبد الرحمن العاقب ثم بعد وفاته في يد المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب والوزير صديق المجتبى الكتيابي أطال الله عمره. وأذكر أنني في تلك الأيام ذهبت للمرحوم الزبير محمد صالح للتصديق لنا بقطعة أرض في وسط الخرطوم لإنشاء مباني وقاعات المكتبة لكن الدكتور عبد الله الطيب نصحني ألا أطلب قطعة أرض في الخرطوم فذلك أمر بعيد المنال وقال لي قل للواء الزبير نريد أن ننشيء المكتبة تحت الأرض في ميدان الأمم المتحدة آنذاك ولا نريد قطعة فوق الأرض وبالفعل وجه اللواء الزبير مدير مكتبه بذلك لكن المفاجأة كانت أنني حين ذهبت بعد بضعة أيام إلى ذلك المكان وجدته قد تم تسويره وانتشرت القوات المسلحة حوله ووضعوا لافتة اسمها (مكتبة القبة الخضراء) فعلمت أنها مكتبة (ضرار) وبالفعل أنشأوا مكتبة من طابقين لبضعة أشهر ثم هدموها وكان القصد منها أن يحال بيني وبين إنشاء المكتبة الوطنية السودانية وكان المسئول عن مشروع القبة الخضراء هو العميد يوسف عبد الفتاح. ولو طال بي عمر فسأكتب عن كيف قاموا بتحوير أهداف المكتبة الوطنية لتصبح مسخاً شائهاً بعد أن كانت مشروعاً قومياً يضطلع بمهام الثقافة والنشاط الفكري والتراثي وغيره في البلاد عن طريق المراكز الكبيرة التي تنشئها المكتبة الوطنية مثل مركز الفهارس والضبط الببليوجرافي ومكتبات الولايات ودور الوثائق الوطنية ومركز المصنفات الأدبية ومراكز النشاط الفني وقاعات المحاضرات والسينما والمسرح وغيرها.
10. عملت مستشارا بالحكومة الإلكترونية بأبوظبي، كيف كانت التجربة، وما أهم مقومات نجاح مشاريع الحكومات الإلكترونية؟
كانت تجربة ثرة وغنية لأنه تسنى لي مواكبة إنشاء مشاريع معلوماتية ضخمة لم يسبق إنشاؤها في الوطن العربي من قبل وباستخدام تقانات متقدمة حيث بدأنا بميكنة أعمال مؤسسات الدولة ودوائرها الحكومية مثل دائرة الأشغال ودائرة البلديات والزراعة ودائرة المالية وغيرها ويشمل ذلك مراكز البيانات وشبكات المعلومات والاتصالات ثم أنشأنا بوابات الحكومة الإلكترونية في جميع الدوائر وامتد ذلك لخدمات الموانيء والمطارات والمرافق الحكومية الأخرى وانتهاء بالربط الكامل للخدمات مع المواطنين وربط كل ذلك بالهوية الموحدة ثم ارتقى الحال إلى الحكومة الذكية عبر الهواتف الجوالة حيث أصبحت جميع الخدمات سهلة وميسرة.
لكى تقيم مشاريع حكومة الكترونية ناجحة لا بد من هيكلة الأعمال والوظائف يدوياً وإنجاز إجراءات سير العمل فالنظام اليدوي المثالي يمكنك من إنجاز ميكنة مثالية وبعد ذلك يتم الانتقال لميكنة الأعمال عن طريق بناء البنية التحتية للاتصالات والشبكات ومراكز البيانات والأجهزة والأنظمة والتطبيقات ويتم التعاقد مع الشركات المتخصصة لتنفيذ هذه المشاريع وفق خطوات واثقة وثابتة مع آلية لنقل المعرفة وتوطينها وحماية وحراسة كل ذلك بالقوانين والأنظمة التي تضمن نجاح واستمرارية وحماية هذا العمل بالإضافة إلى تدريب الكفاءات من أجل إدارة وإنجاح وتطوير هذه الأنظمة علماً أن الحكومات الإلكترونية الناجحة هي التي تهتم بالمواطن وتكون في خدمته وتيسر له سبل العيش الكريم.
وقد تمكنت خلال هذه الفترة من إقامة عشرات المشاريع الكبيرة الناجحة وهو ما لم أتمكن من إقامته في بلدي!
11. كيف يساهم “الاستعمال الابداعي للإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في القبول بالتنوّع الثقافي والإقرار به في خلق الحوار بين الحضارات والثقافات” وتعزيز مفهوم الاستثمار الثقافي؟
أفلحت التقانات الحديثة في ربط شعوب العالم فترجمت الآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) إلى واقع الهدف من التنوع العرقي واللوني والديني ليتسنى تلاقح الثقافات المتنوعة في العالم كماً وكيفاً وتقريب الشقة الناتجة عن رفض الآخر نتيجة الجهل فالناس أعداء لما جهلوا لكن تقنية الشبكة الدولية الانترنت والقنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإبداع الإعلامي إضافة إلى تقانات الاتصالات قد أفلحت في توفير بيئة للتواصل الثقافي والحضاري وفي ظني أن العالم لم يبلغ في تاريخه ما بلغه في هذا الزمان من تيسير السفر والانتقال والتواصل فالشبكة الدولية على سبيل المثال قد وفرت بيئة التواصل بجميع لغات العالم عبر النصوص والصوت والصورة والمؤثرات وغيرها وبذلك تسنى تيسير المعرفة التي كانت في القديم محصورة في دور العلم أو عند القليل من العلماء المجتهدين الذين يشد إليهم الرحال فقد انفتحت أمام العالم اليوم المجالات المختلفة مثل الجامعات الافتراضية والمكتبات والمواقع المعرفية بالإضافة إلى مجالات الإبداع الثقافي والإعلامي الآخر مثل الأفلام السينمائية والمسلسلات والبرامج الحوارية والأنشطة الفكرية والثقافية والتي فتحت الباب أمام تيسير الاستثمار الثقافي بأنواعه المادية والتنموية والمعنوية فنشأت الأجيال الحديثة لتواجه آفاق التنوع المعرفي وعلى الدول والحكومات استغلال هذا في تطوير التعليم وتربية الأجيال وغيرها من المجالات.
12. برأيك ما مدى أهمية دمج الثقافة في برامج وسياسات التنمية المستدامة؟
الثقافة هي وجه الحضارة المشرق وأسلوبه المعبر عنه فالتنمية العمرانية على سبيل المثال تكون مسخاً لا يعبر عن هوية المكان دون أن تطبع ببصمات ثقافته، وذلك مشاهد منذ قديم الزمان في فن المعمار على مدار العصور وحين نتحدث عن تنمية مستدامة في أي مكان فإن الثقافة هي أحد أركان هذه التنمية كعجلة تدفعها وتحميها وتقوم مسارها وتحدو ركبها وبدونها تفقد التنمية هويتها ومعناها، ولهذا فالثقافة كانت وما زالت هي محط الاهتمام عند صناع الحضارات مهما تنوعت واختلفت أشكالها على مدار العصور والأزمان فلكل عصر ثقافته لكن المبدأ واحد.
13. كيف تقيم أهمية الأدب بكل فروعه كقوة ناعمة، وهل حققت المرجو منها في عالمنا العربي؟
في القديم كان الشاعر هو سفير القبيلة والمتحدث باسمها يمدح هذه فيرفعها ويهجو تلك فيضعها وكانت للشاعر سطوة ولكلماته حظوة ثم بدأ نجمه يخبو كسفير وانزوى في ركن من أركان الأدب في حين ظهرت مجالات أخرى لتتصدر المشهد الأدبي والثقافي وتسود في التأثير على غيرها لكن تبقى مجالات الأدب مؤثرة في السياسة والحكم وفي الحرب والسلم وغير ذلك، ويختلف تأثيرها باختلاف المكان والشعوب غير أن أشكال الأدب المؤثر في هذا الزمان في عالمنا العربي أصبحت تأخذ منحى المقالة الإعلامية والرواية الأدبية وفي ظني أن الأدب كقوة ناعمة لم تعد له مثل تلك المكانة القديمة فنحن نعيش أزمة الفكر والأدب في هذا الزمان في ظل سيادة السياسة الهوجاء والقوة الرعناء وربما نشهد عند الأجيال القادمة تغيراً في الأدوار ليتسنم الأدب مكانته الطبيعية كقوة مؤثرة.
14. ماذا بعد وداعك أبوظبي؟ هل تفكر في العودة للسودان، أم أن لك محطة أخرى؟
لم أغب عن السودان في أي وقت من الأوقات رغم أني أمضيت في الغربة من عمري بأكثر مما أمضيته في السودان. ولهذا فالتفكير في العودة إلى بلاد لم أغادرها بوجداني وفكري وأحياناً بجسدي أمر غير منطقي عندي علماً بأني الآن أقيم في الولايات المتحدة لأبني للسودان مجداً حيث أعمل على تنفيذ مشروع ضخم يتمثل في ولوج مجالات السينما وإدخال الشباب السوداني مجال السينما العالمية بقوة ولو نجح هذا المشروع فهو يضمن لي أن يعلن عن السودان للعالم عبر الوسيلة التي يشاهدها العالم أجمعه وهي السينما والصور المتحركة.
15. أهم مشاريعك الأدبية والعلمية القادمة؟
الأديب لا يتوقف عن الإنتاج الفكري طول عمره فكلما ظن أن هذه خاتمة المطاف تنفتح أمامه آفاق جديدة وتظهر تحديات والعمر قصير لكني أعمل الآن على كتابة تاريخ السودان لتسليط الأضواء على فترات غفل عنها الناس وظلمها المؤرخون فأكتب الرواية المعرفية التي تطرح أسئلة في التاريخ تحفز الأجيال الحالية على القراءة والعودة للاعتبار من تاريخهم وفي الوقت نفسه أكتب للمستقبل عن طريق تأليف الروايات الخيالية عن السفر في المستقبل لكنه ليس سفراً من أجل العبث وإنما لاستكشاف مآلات بلادنا في المستقبل بهدف تصحيح مسار الأجيال والتنبؤ بالمستقبل والاستعداد له كما أكتب بالإضافة إلى هذا في مجالات أخرى مثل كتابة السيناريو للسينما والتلفاز فمن الكتابات التي أقوم بها : رؤيا عائشة ونافذة في سماء الكهرمان والحيتان لا تطير إلا في سماء برمودا وغير ذلك من مؤلفات.
http://sites.alriyadh.com/alyamamah/article/1164852?fbclid=IwAR0KK8QUGbQT5P3L5U9NMfxzx8KJHoZv5ujfMPio5mKtFvgN0u0wryT-OV0

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: