ابن الشيطان يتحدث من خلال أطياف الكون الآخر


مقالي في جريدة الموجز العربي ( بقلم إيناس رضا هلال)
ابن الشيطان يتحدث
من خلال أطياف الكون الآخر.
هل صادفك أن يحادثك كائن عمره آلاف السنين يقص عليك سيرتة وسيرة أهل الأرض بل تاريخ الأرض منذ نشأتها؟
مثلما حدثنا هذا الكائن من بني النار التي شاءت الظروف أن ينهل في طفولته من حنان إنسية ويرضع من ثديها ؟
هنا في رواية (أطياف الكون الآخر) للروائي السوداني عمر فضل الله الحائز على جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي ٢٠١٨ ،وجائزة كتارا للرواية العربية ٢٠١٨ ،كاتب الرواية يصطحبنا عبر رحلة زمانية طويلة يسردها لنا البطل ابن عزازيل أو (طيف) كما ورد اسمه في الرواية ،مرورا بتاريخ الأرض القديم ونشأتها ،وفساد بني النار في الأرض وسيرتهم الغير طيبة عند أهل السماء ،ثم هلاكهم على أيدي النورانيين، وحياة عزازيل (إبليس) في السماء ،ثم هبوطه مرة أخرى عدوا لبني صلصال.
وضعنا الكاتب أمام تحدٍ نفسي منذ أول فصل في الرواية ليقيس مدى تجلدنا وإيماننا بوجود بني النار معنا في كل وقت و مكان؛ بسؤاله لنا على لسان( طيف بن عزازيل):أين أنا الآن ؟ نعم بالطبع ،لا تصدقني؟ انظر إلى الأعلى فوقك ،لماذا لم تنظر أراك مترددا أو خائفا…
عالج الكاتب في تلك الرواية أمراضا اجتماعية مثل السحر والشعوذة ،و أن بعض الأطياف ومنهم البطل يشمئزون ويستنكرون سلوك هؤلاء السحرة .
يذهب بنا الكاتب إلى مرتفعات بابل ببلاد النهرين ،حيث يتحلى البطل حينها بصفات آدمية لفعل الخير ونبذ الشر وإفساد المكائد التي يحميها أبوه عزازيل ،ثم يقودنا في رحلة البحث عن إبرام وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام ،وقد هبط بمصر وذكر صفات أهلها وخير أرضها ، واقتطف لنا زهرة من بستان تاريخها العتيق حينما ذكّرنا بتاريخ عروس النيل التي كان يقدمها المصريون قربانا لنهر النيل أو ( حابي ) إله الخير والنماء كما كانوا يطلقون عليه .
وقد كشفت رحلة الهروب ل(طيف التجلي) بين الكواكب هربا من أعوان أبيه عزازيل (إبليس) عن ثقافة الكاتب الرائعة الفلكية والفيزيائية ومعرفته بالنجوم والكواكب .إلى أن وصل إلى عهد سليمان ولم نشعر نحن أبدا بفجوة زمنية أثناء السرد،بل انتقل بين العصور في سلاسة ،وقد نال البطل عقاب من سيدنا سليمان وحبس في قمقم فتجول بنا الكاتب في أعماق البحار إلى أن تحطم القمم فخرج بنا إلى عصر التطور والتكنولوچيا والتقدم الحضاري والتقني ،مقارنا قدرات بني النار بقدرات بني الصلصال والنتيجة قد حُسمت لبني الصلصال بعد أن حيرت عالم الأطياف.
نجح الكاتب بأدواته وثقافته في خلق حالة من السلام بين البشر وبني النار ، بل وتمني بنو النار عيشة بني الصلصال بتناوله الجوانب النفسية والعاطفية التي يتميزون بها عن غيرهم ،ناهيك عن أسلوبه المتميز في المقارنات بين العصر الحديث والتقدم الحضاري وبين بقية الأزمان التي مررنا بها ،ومزج الخيال بالواقع في صورة فانتازيا رائعة.
المدهش أن الرواية لم يسمع بها كثيرون، لكنها جديرة بالاطلاع، فهي تشدك من أول فصولها وتستحوذ على جميع مشاعرك إلى أن تفرغ من متعة قراءتها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: